أبي الفرج الأصفهاني
42
الأغاني
لم يظهرها وينسبها لنفسه ، فأسترها عليه ، فإذا كان هذا قول إسحاق في أبيه فمن يعتذر بعده من أن يكون له جيّد ورديء ، وما عري أحد في صناعة من الصناعة من حال ينقصه عن الغاية ، لأن الكمال شيء تفرّد اللَّه العظيم به ، والنقصان جبلَّة طبع بني آدم [ 1 ] عليها ، وليس ذلك إذا وجد في بعض أغاني عريب مما يدعو إلى إسقاط سائرها ، ويلزمه اسم الضّعف واللَّين ، وحسب المحتجّ لها شهادة إسحاق بتفضيلها ، وقلَّما شهد / لأحد ، أو سلم خلق - وإن تقدّم وأجمع على فضله - من شينه [ 2 ] إيّاه وطعنه عليه ، لنفاسته في هذه الصناعة ، واستصغاره أهلها ، فقد تقدّم في أخباره مع علَّوية ، ومخارق ، وعمرو بن بانة ، وسليم بن سلام ، وحسين بن محرز ، ومن قبلهم / ومن فوقهم مثل ابن جامع وإبراهيم بن المهديّ وتهجينه إياهم ، وموافقته لهم على خطئهم فيما غنّوه وصنعوه مما يستغنى به عن الإعادة في هذا الموضع ، فإذا انضاف فعله هذا بهم ، وتفضيله إياها ، كان ذلك أدلّ على التحامل ممّن طعن عليها ، وإبطاله فيما ذكرها به ، ولقائل ذلك - وهو أبو عبد اللَّه الهشامي - سبب كان يصطنعه عليها ، فدعاه إلى ما قال ، نذكره بعد هذا إن شاء اللَّه تعالى . ومما يدلّ على إبطاله أنّ المأمون أراد أن يمتحن إسحاق في المعرفة بالغناء القديم والحديث ، فامتحنه بصوت من غنائها من صنعتها ، فكاد يجوز عليه ، لولا أنه أطال الفكر والتلوّم واستثبت ، مع علمه بالمذاهب في الصنعة ، وتقدّمه في معرفة النّغم وعللها ، والإيقاعات ومجاريها . وأخبرنا بذلك يحيى بن عليّ بن يحيى : قال : حدثني أبي عن إسحاق : فأمّا السبب الذي كان من أجله يعاديها الهشامي ، فأخبرني به يحيى بن محمد بن عبد اللَّه بن طاهر قال : ذكر لأبي أحمد عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن طاهر عميّ أنّ الهشاميّ زعم أن أحسن صوت صنعته عريب : صاح قد لمت ظالما وإن غناءها بمنزلة قول أبي دلف في خالد : يا عين بكَّي خالدا ألفا ويدعى واحدا فقال : ليس الأمر كما ذكر ، ولعريب صنعة فاضلة متقدّمة ، وإنما قال هذا فيها / ظلما وحسدا ، وغمطها ما تستحقّه من التّفضيل ، بخبر لها معه طريف ، فسألناه عنه ، فقال : أخرجت الهشاميّ معي إلى سرّ من رأى ، بعد وفاة أخي ، يعني أبا محمد بن عبد اللَّه بن طاهر ، فأدخلته على المعتزّ ، وهو يشرب ، وعريب تغنّي ، فقال له : يا بن هشام ، غنّ ، فقال : تبت من الغناء قتل سيّدي المتوكل ، فقالت له عريب : قد واللَّه أحسنت حيث تبت ، فإن غناءك كان قليل المعنى ، لا متقن [ 3 ] ولا صحيح ولا مطرب ، فأضحكت أهل المجلس جميعا منه ، فخجل ؛ فكان بعد ذلك يبسط لسانه فيها ، ويعيب صنعتها ، ويقول : هي ألف صوت في العدد ، وصوت واحد في المعنى . وليس الأمر كما قاله ، إن لها لصنعة تشبّهت فيها بصنعة الأوائل ، وجوّدت ، وبرزت فيها ، منها : أئن سكنت نفسي وقلّ عويلها ومنها :
--> [ 1 ] كذا في ب على أن فاعل طبع ضمير ذي الجلال ، وفي ف ، مم : « طبع بالبناء للمجهول » . [ 2 ] مم : « تليه » . [ 3 ] كان القياس لا متقنا ، ولا صحيحا ، ولا مطربا بالنصب ، فلعل هنا مبتدأ مقدرا « لا هو متقن . . . » إلخ .